محمد متولي الشعراوي
5821
تفسير الشعراوى
النبيون ، اختلف الناس ؛ لأن منهم من آمن ومنهم من ظل على الكفر ، ولكن لو أحسن الذين قالوا مثل هذا القول الاستنباط وحسن الفهم عن اللّه لوجدوا أن مقصود الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها الآن إنما هو : ما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ؛ فبعث اللّه النبيين ؛ ليخرجوهم عن الخلاف ويعيدوهم إلى الاتفاق على عهد الإيمان الأول الذي شهدوا فيه بربوبية الحق سبحانه وتعالى « 1 » ؛ لأن الأصل في المسألة هو الإيمان لا الكفر « 2 » . ومن أخذ آية سورة البقرة كدليل على كفر الناس أولا ، نقول له : اقرأ الآية بأكملها ؛ لتجد قوله الحق : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ . . ( 213 ) [ البقرة ] وهكذا نرى أن الاختلاف الذي حدث بين الناس جاء في آية البقرة في المؤخرة ، بينما جاء الاختلاف في هذه الآية في المقدمة ، وهذا دليل على أن الناس كانوا أمة واحدة على الإيمان « 3 » ، فليس هناك أناس أولى من
--> ( 1 ) وذلك قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ( 172 ) [ الأعراف ] . ( 2 ) وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث اللّه النبيين مبشرين ومنذرين . أورده ابن كثير في تفسيره ( 1 / 250 ) . ( 3 ) إن تصدير الاختلاف في آية سورة يونس وتأخيره في سورة البقرة ، فأول القضية أن الأمة واحدة على دين اللّه ومنهجه ، والخلاف عارض ؛ لهذا كان الرسل ، أما موقف سيدنا إبراهيم عليه السّلام في آية الأنعام في قوله تعالى : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ( 76 ) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ( 77 ) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( 78 ) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 79 ) [ الأنعام ] فسيدنا إبراهيم كان في مرحلة إيمان الهداية ، ثم بالتأمل يصل إلى إيمان الدلالة حتى يصل إلى إيمان اليقين .